عبد الكريم الخطيب
877
التفسير القرآنى للقرآن
إننا نتحدث منذ أخذنا في هذا الحديث ، عن الخير والشر ، كأنهما حقيقتان واقعتان ، متفق على ماهيتهما ، متعارف على الحدود القائمة بينهما . . مع أن الواقع غير ذلك . . فمع اعتراف المعترفين بالخير والشرّ ، فإن خلافا كبيرا قد وقع بينهم في تحديد الصورة ، التي يكون بها الخير خيرا والشرّ شرّا . . ما هي الضوابط التي تضبط معنى الخير ؟ والتي إن تحققت في أمر من الأمور عرف أنه خير ؟ وإن تخلّف بعضها وتحقق بعضها عرفت نسبة الخير فيه ؟ إنه بغير هذه الضوابط ستتفرق بالناس السّبل ، حيث تعدد المفاهيم للخير والشرّ . على حسب تعدد الناس ، وحسب ما يرون ، وما يقدّرون . فلا يلتقون على طريق واحد فيما يأخذون أو يدعون ، ولا فيما يحمدون أو يكرهون ، ولا فيما يثيبون أو يعاقبون . ما الخير إذن ؟ يكاد يكون الخير أمرا بدهيا ، لكثرة إلف الناس له ، وإحساسهم به . . فهو لهذا لا يكاد يضبط أو يحصر داخل حدّ محدود . . إنه مشاع في الناس ، واقع في إحساسهم . . كل يراه من الأفق الذي يعيش فيه . . فيبدو لبعض الناس في صورة المتاع الجسدي من طعام وشراب ، ولباس ، وغير هذا مما هو من حظ الجسد ، على حين يراه آخرون في ألوان من الأدبيّات ، التي تعلو بالروح ، وتسمو بالوجدان . . وبين هذه الآفاق الصاعدة والآفاق النازلة ، درجات لا تكاد تحصى ، وتكاد تكون على تعداد الناس . . فردا فردا . . ولكن إذ قد اختلفت معابير الناس في الخير - وهذا أمر طبيعي - لاختلاف رغباتهم ، وتنوع مطالبهم ، فليس معنى هذا ألا يكون هناك خير ،